السيد كمال الحيدري

35

العرش والكرسى في القرآن الكريم مراتب العلم الالهى وكيفيه وقوع البداء فيه التوحيد

ممّا يزيد عليه بواحد . ولو كان عدم تناهى العلم ( أعنى العرش ) لعدم تناهى معلوماته كثرة ، لكان الكرسي بعض العرش لكونه أيضاً علماً وإن كان محدوداً ، بل عدم التناهي والتقدير إنّما هو من جهة كمال الوجود ، أي أنّ الحدود والقيود الوجوديّة توجب التكثّر والتميّز والتمايز بين موجودات عالمنا المادّى ، فتوجب انقسام الأنواع بالأصناف والأفراد ، والأفراد بالحالات ، والإضافات غير موجودة فينطبق على قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( الحجر : 21 ) . وهذه الموجودات كما أنّها معلومة بعلم غير مقدّر ، أي موجودة في ظرف العلم وجوداً غير مقدّر ، كذلك هي معلومة بحدودها ، موجودة في ظرف العلم بأقدارها ، وهذا هو الكرسي . وربما لوّح إليه أيضاً قوله تعالى فيها : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ( البقرة : 255 ) حيث جعل المعلوم : ما بين أيديهم وما خلفهم ، وهما أي ما بين الأيدي وما هو خلف غير مجتمع الوجود في هذا العالم المادّى ، فهناك مقام يجتمع فيه جميع المتفرّقات الزمانية ونحوها ، وليست هذه الوجودات وجودات غير متناهية الكمال غير محدودة ولا مقدّرة ، وإلّا لم يصحّ الاستثناء من الإحاطة في قوله تعالى : وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ فلا محالة هو مقام يمكن لهم الإحاطة ببعض ما فيه ، فهو مرحلة العلم بالمحدودات والمقدّرات من حيث هي محدودة مقدّرة .